محمد بن جرير الطبري

31

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في تنزيله ، وأمر به مما لم يدرك علمه إلا ببيانه لازما العمل به أمته لما قد بينا في كتابنا " كتاب البيان عن أصول الأَحكام " إذا اختلفت الأَمة في وجوبه ، ثم كان مختلفا في الطواف بينهما هل هو واجب أو غير واجب ؛ كان بينا وجوب فرضه على من حج أو اعتمر لما وصفنا ، وكذلك وجوب العود لقضاء الطواف بين الصفا والمروة ، لما كان مختلفا فيما على من تركه مع إجماع جميعهم ، على أن ذلك مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه أمته في حجهم وعمرتهم إذ علمهم مناسك حجهم ، كما طاف بالبيت وعلمه أمته في حجهم وعمرتهم ، إذ علمهم مناسك حجهم وعمرتهم ، وأجمع الجميع على أن الطواف بالبيت لا تجزي منه فدية ولا بدل ، ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه ؛ كان نظيرا له الطواف بالصفا والمروة ، ولا تجزي منه فدية ولا جزاء ، ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه ، إذ كانا كلاهما طوافين أحدهما بالبيت والآخر بالصفا والمروة . ومن فرق بين حكمهما عكس عليه القول فيه ، ثم سئل البرهان على التفرقة بينهما ، فإن اعتل بقراءة من قرأ : " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " قيل : ذلك خلاف ما في مصاحف المسلمين غير جائز لأَحد أن يزيد في مصاحفهم ما ليس فيها . وسواء قرأ ذلك كذلك قارئ ، أو قرأ قارئ : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فلا جناح عليهم أن لا يطوفوا به . فإن جاءت إحدى الزيادتين اللتين ليستا في المصحف كانت الأَخرى نظيرتها وإلا كان مجيز إحداهما إذا منع الأَخرى متحكما ، والتحكم لا يعجز عنه أحد . وقد روي إنكار هذه القراءة وأن يكون التنزيل بها عن عائشة . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة قال : قلت ل‌عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول الله عز وجل : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فما نرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما السعي بين الصفا والمروة ؟ فقالت عائشة : كلا لو كانت كما تقول كانت وفلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " ، إنما أنزلت هذه الآية في الأَنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد ، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ؛ فلما جاء الإِسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأنزل الله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وقد يحتمل قراءة من قرأ : " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " أن تكون " لا " التي مع " أن " صلة في الكلام ، إذ كان قد تقدمها جحد في الكلام قبلها ، وهو قوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ فيكون نظير قول الله تعالى ذكره : قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ بمعنى ما منعك أن تسجد ، وكما قال الشاعر : ما كان يرضى رسول الله فعلهما * والطيبان أبو بكر ولا عمر ولو كان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه لمحتج حجة مع احتمال الكلام ما وصفنا لما بينا أن ذلك مما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في مناسكهم على ما ذكرنا ، ولدلالة القياس على صحته ، فكيف وهو خلاف رسوم مصاحف المسلمين ، ومما لو قرأه اليوم قارئ كان مستحقا العقوبة لزيادته في كتاب الله عز وجل ما ليس منه ؟ القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً على لفظ المضي بالتاء وفتح العين . وقرأته عامة قراء الكوفيين : " ومن يطوع خيرا " بالياء وجزم العين وتشديد الطاء ، بمعنى : ومن يتطوع . وذكر أنها في قراءة عبد الله : " ومن يتطوع " . فقرأ ذلك قراء أهل الكوفة على ما وصفنا اعتبارا بالذي ذكرنا من قراءة عبد الله سوى عاصم فإنه وافق المدنيين ، فشددوا الطاء طلبا لإِدغام التاء في الطاء . وكلتا القراءتين معروفة صحيحة متفق معنياهما غير مختلفين ، لأَن الماضي من الفعل مع حروف الجزاء بمعنى المستقبل ، فبأي القراءتين قرأ ذلك قارئ فمصيب . ومعنى ذلك : ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه ، فإن الله شاكر له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاء وجهه فمجازيه به ، عليم بما قصد وأراد بتطوعه بما تطوع به وإنما قلنا إن الصواب في معنى قوله : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً هو ما وصفنا دون قول من زعم أنه معني به : فمن تطوع بالسعي والطواف بين الصفا والمروة ؛ لأَن الساعي بينهما لا يكون متطوعا بالسعي بينهما إلا في حج تطوع أو عمرة تطوع لما وصفنا قبل ؛ وإذ كان ذلك كذلك